علي بن أحمد المهائمي
503
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
كمال مراتبها ( إلا من خلقها ) ، فإن له أن يتولى حله ( إما بيده ) أي : قدرته ، وكيف لا يكون لها حله ، ( وليس ) من خلقها ( إلا ذلك ) ، أي : يده ( أو ) من يحله ( بأمره ) ، أي : تجويزه ، فإن يد المأمور كيد الأمر عند صفاء المرآتية ، وهو أمر خفي لا يعلمه إلا هو ، فلا يتعاطاه إلا هو أو مأموره ، لكنه مأموره ، فلا يفعل ذلك عند مظنته عن العجز عن التحقيق ، ( ومن تولاها ) أي : حل نظامها بحذف المضاف إلى الضمير ( بغير أمر اللّه ) أي : تجويزه ، ( فقد ظلم نفسه ) بأبطال مرآتيتها للحق العدل الحكيم ؛ وذلك لأنه ( تعدى حد اللّه فيها ) ، وهو ألا يقتل نفس بغير نفس أو فساد في الأرض من حرب المؤمنين ، أو ردة ، أو زنا بإحصان أو نحوها ، فلم يكن مظهر الاسم العدل . ( وسعى في خرابها بما أمره اللّه بعمارها ) بالإعانة على الطاعة ، والعلوم المفيدة له كما لا تتم مرآتيته لظهور الحق فيه بصورة كاملة ؛ ولذلك عوتب يونس عليه السّلام إذ ذهب مغاضبا على عدم نزول العذاب عليهم ، وهو إذا كان بدعائه ينزل منزلة قبلهم ، فإذا كان بغير أمر اللّه فقد ظلم نفسه ؛ ولذلك قال : إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنبياء : 87 ] ، وقيل في حقّه : فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ [ الصافات : 142 ] ، وهذا الظلم وإن لم يكن معصية في حقّه لعصمته ، فلا شكّ أنه ترك الأولى ، وإليه الإشارة بقوله : ( واعلم أن الشفقة على عباد اللّه ) أي : الذين يحتمل كونهم عابد به بحيث تكمل مرآتيتهم له ( الحق بالرعاية من الغيرة في اللّه ) الموجبة لإهلاكهم عند تعارض مظنتهما من غير ترجيح بخلاف ما إذا كانت مظنة الفساد الكثير ظاهرة جيدا ؛ وذلك لأن الغيرة إنما اعتبرت إبقاء لهؤلاء العابدين للحق ؛ لئلا تبطل مرآتيتهم ، وقد بطلت مرآتية من أمر اللّه تعالى بالغيرة عليهم ظنّا أو يقينا ، لكن إذا ضعف هذا الظن ، فالشفقة أولى بالرعاية عسى أن يعودوا مرآيا كاملة للحق . واستشهد عليه بقصة داود عليه السّلام الذي ليس من شأنه إبطال مرآيا الحق بغير موجبة ؛ فقال : ( أراد داود عليه السّلام بنيان ) المسجد الأقصى من ( البيت المقدس فبناه مرارا ، فكلّما فرغ منه تهدّم ، فشكا ذلك إلى اللّه تعالى فأوحى اللّه تعالى إليه : إنّ بيتي هذا لا يقوم على يدي من سفك الدّماء » « 1 » ) ؛ لأن من سفكها ربما هدم بنيان من توقعت منه كمال المرآتية لظهوري فيه بالعبادة ، فهدمت أنا ما بنيت أنت للعبادة لهدمك ما بنيت أنا للعبادة ، ( فقال داود : يا رب ألم يكن ذلك في سبيلك ) ، فالهدم إنما وقع على بنيان من لا يعبدك في الحال ؛ لئلا يهدموا بنيان من يعبدك في الحال إما بالقتل أو بالضلال ، ( فقال : بلى ) لكنه بمجرد مظنة الفساد من غير تحقق ذلك منهم ، ( ولكنهم أليسوا عبادي ؟ ) ، فلعلهم لو
--> ( 1 ) سبق تخريجه .